Get Adobe Flash player

أهلاً وسهلاً بكم

مقال جديد 

 

الأزمة المعرفية للاقتصاد الإسلامي

مشكلة التطبيق

تشخيص حالة التمويل الإسلامي

ورقة قدمت في ورشة العمل التي جرت في معهد الاقتصاد الإسلامي بجدة حول مستقبل الاقتصاد الإسلامي

نوفمبر 12-13 سنة 2012

عبد العظيم أبوزيد

 

   مقدمة

يعاني الاقتصاد الإسلامي من أزمة معرفية وتطبيقية حقيقية، تناوُلها بالتحليل والتعليل يحتاج إلى مصارحة وجرأة وموضوعية. وإن كنا لم نصل بعد إلى الجرأة والموضوعية في الطرح، أو لم نكن مستعدين لذلك أصلاً، فإن بحث هذا الأمر لن يأتي بالمفيد، بل سيكون حلقة جديدة من الحلقات المفرغة التي مرّ بها الحديث في هذا الموضوع. وقد أحسن معهد الاقتصاد الإسلامي لما أخذ زمام المبادرة وتوجه لمحاولة تشخيص هذه الأزمة في مسعى أولي لمعالجتها، إذ لا بد من التشخيص قبل العلاج. وتحقيقاً لذلك فإن السادة الأستاتذة الباحثين بالمعهد طرحوا عدة أسئلة تسهم في تشخيص هذه الأزمة، وستعمل هذه الورقة على الإجابة على بعضها، ثم تشخص أسباباً أخرى أدت في نظر الكاتب إلى قيام هذه الأزمة، وشرحها يجيب ضمناً عن بعض أسئلة المعهد الأخرى، والبداية هي بأسئلة المعهد.

 

هل هناك نموذج نظري واحد لمعمل المصرفي الإسلامي؟ أم هناك نماذج متعددة تختلف باختلاف بيئة العمل بحيث توجد مثلا مصرفية على الطريقة الماليزية وأخرى على الطريقة الخليجية؟

الذي يسوغ الخلاف الفقهي هو اختلاف المدارس الفقهية ومناهجها في الاستنباط، لا التشهي وإرادة التطويع المصلحي للنصوص والمذاهب الفقهية؛ فالمدرسة الفقهية التي تتبعها ماليزيا هي المدرسة الشافعية، وهي ذاتها المدرسة ذائعة الانتشار في البلدان العربية. والمدرسة الشافعية لا تقر أصولها الممارسات التي يختلف بها ما يسمى بالنموذج الماليزي عن النموذج الخليجي؛ فما ينسب إلى الإمام الشافعي من جواز بيع العينة أو بيع الدين كما هو ممارس باطلٌ، فشتان بين حكم على مسألة كالعينة بالصحة باعتبار ظاهرها وبين الحكم عليها بالحل، وشتان بيع تجويز بيع دين حالّ على نحو يندفع معه وقوع الربا، وهو ما أجازة الشافعية، وبين بيع دين مؤجل وبحسم. [1]

وعليه، فإن تعدد نماذج العمل المصرفي الإسلامي يُقبل إن كان في إطار المسائل والأحكام المقبولة شرعاً، لا الأقوال الشاذة أو التي لا يوجد لها سند أو تخريج شرعي مقبول، كالعينة أو التورق المؤسساتي أو حسم الدين ونحو ذلك. وإذا ما أراد المرء أن يتتبع الأقوال الشاذة على مدى تاريخ التشريع الإسلامي، فإنه لن يعدِم وجودَ قولٍ شاذٍ يجيز له ما يشتهي جوازه، لكن العبرة بالوزن الفقهي لهذا القول ومستنده الشرعي وتلقي العلماء له بالقبول.

وما يذكره الفقهاء من إمكان تعدد الأحكام بتعدد الأزمنة واختلاف الأمكنة والأحوال، كقاعدة “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان” مثلاً، فهو في الأحكام التي تبنى على العُرف أصلاً  كما هو معروف، كمسؤولية البائع عن نقل المبيع إلى مكان المشتري مثلاً، لا الأحكام الشرعية المؤصلة أو المنصوص عليها وغير المرتبطة بالعرف والعادة.

وعليه، فإنه يسوغ اختلاف بعض الأحكام التطبيقية الجزئية في الصيرفة الأسلامية من مكان لآخر، لا أن يكون ذلك على مستوى المنتجات وأصل العقود، فلا يوجد مسوغ شرعي أبداً لأن يكون عقدٌ يُتخذ حيلة على الربا، يُقدَّم به التمويل النقدي، حلالاً في مصرف وحراماً في آخر باعتبار اختلاف بيئة العمل والمكان؛ بل إن الحاجات الإنسانية ثم المصرفية الأساسية للأفراد واحدة، ولا تختلف  باختلاف المكان.

 

هل هناك إشكالات في تطبيق العمل المصرفي الإسلامي بنماذجه المختلفة؟ كنموذج النظام المصرفي الاسلامي الكامل، أو التطبيق الجزئي عبر الفروع المصرفية المستقلة، أو النوافذ الإسلامية بجانب المصرف التقليدي؟

إن كانت الرغبة قائمة حقيقة في الالتزام بأحكام الشريعة، فإن طبيعة المؤسسة لا تحدث فرقاً في شرعية التعامل مع أحد هذه النماذج في منتجاتها ومعاملاتها. وقضية مصدر المال أو هوية المؤسسة ليس لها اعتبار شرعي في هذه القضية، فيجوز للمسلمين التعامل مع غير المسملين بالبيع والشراء منهم والدخول في عقود مشاركة معهم إذا كانت العقود وشروطها فيما بين الفريقين شرعية وتحقَّقَ التزامهم بها. وقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم من قبل مالياً مع غير المسلمين فما شكل دينهم أو مصدر أموالهم سبباً لحرمة التعامل المالي معهم. فالعبرة إذن بطبيعة العقود، والتأكدِ من الالتزام الشرعي الصحيح بها، وذلك يقوم على مصداقيةِ المؤسسة، سواء أكانت نافذة أو مصرفاً إسلامياً غير مملوك لآخر ربوي، أو مملوكاً، واستعدادِها الحقيقي للالتزام بأحكام الشريعة وعدم خلط الاستثمارات على نحو مرفوض شرعاً.

والانتقادات الشرعية التي يتعرض لها العمل المصرفي الإسلامي يتعلق بالمنتجات، وأدوات الخزينة، وشروط التعامل مع الأفراد أكثر من أي شيء آخر، وهذا مما تتساوى فيه جميع النماذج المذكورة للمؤسسات المالية الإسلامية. وليس من العدل والإنصاف أبداً أن تهاجَم مؤسسة باعتبار دين ملاكّها أو كونها نافذة لا مصرفاً إسلامياً مستقلاً، فقد تكون هذه النافذة الإسلامية، أو المملوكة لغير المسلمين، أكثر انضباطاً وحرصاً على الالتزام بأحكام الشريعة من المصرف الإسلامي المستقل، بل وقد تكون هويتها هذه حافزاً وسبباً لها لمزيد حرصٍ على الالتزام بأحكام الشريعة. وعلى فرض صحة الزعم بوجود ما يستدعي التشكيك الشرعي في هذه المؤسسات بسبب هويتها، فإن هذه مشكلة ثانوية لا تذكر إلى جانب مشكلة التطبيق التي نتحدث عنها، لأنها مشكلة واقعة في كل النماذج المذكورة بصرف النظر عن هويتها.

 

هل المصارف الإسلامية معنية بالمسؤولية الاجتماعية؟ أم أن دورها ينحصر في تعظيم عوائد مالية لملاكيها والمساهمين فيها؟

من الإنصاف القول إن المؤسسات المالية الإسلامية هي مؤسسات ربحية قبل كل اعتبار، أنشئت وقامت لتحقق الربح لملاكها والمستثمرين فيها، وليست مؤسسات خيرية أو اجتماعية؛ وإنما يميزها عن المؤسسات المالية التقليدية إعلانها الالتزام بالشريعة في طرق تحقيق الربح والكسب، لا أن اعتباراً فوق اعتبار الربح يحكم عملها ويسيّر وِجهتها. لكن إذا كان تحقيق ذات الربح الشرعي ممكناً بطرق تخدم المجتمع أكثر، ولا تضرّ بهذه المؤسسات، فمن الواجب عليها في هذه الحالة أن تلتزم بتلك الطرق، ولا عذر لها حينئذ بتجاهلها أو التقصير فيها، لأن بناء المجتمع الإسلامي أمر واجب، وأداة ذلك أفراده ومؤسساته، فلا عذر لمسلم أو مؤسسة إسلامية في القعود عن الإسهام بما يمكن إسهامه دون ضرر يقع عليه.

والملاحظ في هذا الجانب أن المؤسسات المالية الإسلامية لم تضطلع بدورها الممكن وغير الضارّ بها على النحو الواجب، إذ غاب عن عملياتها هذا البعدُ الاجتماعي على الرغم من التردي الشديد في الأوضاع الاجتماعية للمسلمين في أكثر البلدان الإسلامية، وهذه تهمة لا يتردد الناس في إلحاقها بهذه المؤسسات. أي أن مؤسسات التمويل الإسلامي قد قصرّت حيث كان يمكنها أن تسهم اجتماعياً وتخدم المجتمع المسلم على نحو لا يثقِل كاهلها أو يضرّ بها.

وفيما يلي بعض الأدوات والقنوات المتصورة لتحقيق هذه المساهمة بحسب المتاح في المؤسسات المالية الإسلامية. ويمكن صياغة ذلك في ثلاثة محاور:

المحور الأول: اختيار القطاعات المموَّلة

ويُتصور في هذا الصدد الحاجة إلى الالتزام بما يلي:

-       تسهيل شروط منح التمويل، بأدواته الشرعية السليمة من عقود استثمار وغير ذلك، إلى الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعدم تفضيل منح التمويلات للشركات العملاقة باعتبار رجحان اعتبارات مخاطر الائتمان فيها على ما دونها إذا كانت الأخرى تحقق شروط الائتمان المعتادة.

-       الحرص عند قرار الاستثمار والتمويل على انتقاء المشاريع التنموية الحقيقية، والمفاضلة بين ذلك باعتبار الأثر التنموي والانتاجي الأمثل.

-       الحرص على الاستثمار في اقتصاديات الدول المسلمة الفقيرة، وليس في اقتصاديات الدول الكبرى أو على نحو يصب مآلاً في مصالح هذه الدول.

-       الكفّ عن أو الحد من تمويل الخدمات والسلع الكمالية باهظة الكلفة، كالأعراس فاحشة التكاليف والسيارات المترفة؛ والتركيز في التمويل السلعي على السلع الانتاجية أكثر من الاستهلاكية؛ والعمل والإنفاق في مجال توعية العملاء وتنمية وعيهم الاستهلاكي بالبعد عن تموّل السلع التي توصف بالترف والإسراف.

-       الحد من المنتجات التي يغلب عليها أن تضر بالأفراد وتوقعهم في براثن الدين، كبطاقات الائتمان، والتمويل الشخصي ولا سيما الاستهلاكي منه.

المحور الثاني: اتباع السياسات الداخلية المناسبة:

ويُتصوّر في هذا الصدد وجوب الالتزام بما يلي:

-       العدالة في فرض الرسوم والأرباح والغرامات على المتعاملين، إذ تكون هذه الرسوم والأرباح العالية والغرامات في كثير من الأحوال سبباً في الإثقال على العملاء، وتفضيل بعضهم التعامل مع المؤسسات المالية التقليدية، مما يؤدي من حيث النتجية إلى دعم تلك المؤسسات التقليدية، وهي التي لا تراعي أي بعد اجتماعي في عملها.

-       تحمل المؤسسات المالية الإسلامية الحقيقي للأخطار في عقود التمويل بالبيع أو الإجارة أو المشاركة المنتاقصة ونحو ذلك، لأن تحميل تلك الأخطار للعميل دون المؤسسة ظلم يثقل كاهله، وقد يؤدي إلى خسارته.

-       الكف عن أساليب التحايل الشرعي التي تتبعها المؤسسات المالية الإسلامية لتضمين الجهات المتمولة منها، عبر عقود المشاركات والمضاربات والوكالات، لرأس المال والعائد المتوقع منه. ومن هذه الأساليب على سبيل المثال أخذُ تعهدٍ من تلك الجهات بشراء الأصول الاستثمارية بمبالغ تحقق للمؤسسات المالية الإسلامية الضمانَ المنشود.[2] فهذا التصرف يضر بالجهات المتمولة وينتج عنه وقوع ذات الآثار السلبية للربا، لأن تمويل هذه المؤسسسات لن يختلف من حيث الجوهر والأثر عن التمويل الربوي التقليدي في هذه الحالة.

-       توظيف صندوق الزكاة الخاص بالمؤسسة في دعم الفئات الاجتماعية المحتاجة، والإفادة كذلك في هذا الإطار من صندوق الأرباح المجنبة حيث وجدت؛ وهي الأرباح الناشئة عن تعاملات المؤسسة التي أوجبت الهيئة الشرعية الخاصة بالمؤسسة تجنيب أرباحها لوقوع بعض المخالفات الشرعية، لا التحايل لمحاولة رد ما في هذا الصندوق على المؤسسة نفسها باعتماد بعض التخريجات.

المحور الثالث والأكثر أهمية: نوعية المنتجات:

لا بدّ للمؤسسات المالية الإسلامية من التميز الحقيقي، لا الشكلي، عن منتجات وممارسات المؤسسات المالية التقليدية. فتحريم الإسلام للربا وعقود الغرر ونحوهما إنما كان لأجل آثاره الاقتصادية والاجتماعية السلبية الكارثية في المجتمعات، لا باعتبار شكليات العقود الموصلة إلى الربا والغرر. وبالتالي فإن البعد الحقيقي عن الربا وعقود الغرر يقع موقع اللبّ من قضية التزام المؤسسات المالية الإسلامية بالرسالة الاجتماعية.

والمشكلة أنه قد وجد في العقود التي تمارسها بعض هذه المؤسسات ما لا يفترق جوهرياً عن الربا وعقود القمار والغرر كما يذكر ذلك علماء الاقتصاد الإسلامي وكثير من المختصين والمراقبين. وإن صدق هذا، فإنه يعني أن الرسالة الاجتماعية للمؤسسات المالية الإسلامية مهددة ومصابة في مقتل، لأن بعض آليات عمل كثير من هذه المؤسسات آلية ربوية، ومنطوية على المقامرة، مما يعني أنها تحمل نفس الآثار والمضار الاجتماعية للربا والقمار، ولا خير اجتماعياً يرتجى مع وجود هذه الممارسات.

 

أسباب أخرى للأزمة المعرفية للاقتصاد الإسلامي المتجسدة في حالة التمويل الإسلامي

يمكن عزو هذه الأزمة على التحقيق إلى مسببات كثيرة بعضها ما سبق وثمة أخرى غيرها، وأكثر هذه الأسباب ليس خاصاً بتجربة الاقتصاد الإسلامي، بل المظنون أن الأزمة ستتكرر تكررَ التجارب في تطبيق المعارف الشرعية العامة في وقتنا الراهن، وذلك للاشتراك في أكثر هذه الأسباب، وأهمها في نظر الباحث هو الآتي.

 

  1. 1.    طبيعة المعارف الإسلامية غير القابلة للتجزيء أو التلبس بأضدادها

من طبيعة المعارف الشرعية الإسلامية أنها منظومة متكاملة ومترابطة بعضها ببعض، فلا ينفك الجانب المعرفي الاقتصادي منها عن الاجتماعي عن السياسي، وهذا أثر طبيعي لهويتها الدينية، فلا ينجح تطبيق أحد هذه المعارف نجاحاً كاملاً إلا في مناخ إسلامي عام وشامل تطبق فيه سائر المعارف. ثم يأتي الجانب التعبدي الذي لا ينفك عن أيِّ من هذه المعارف، وتأتي التربية الدينية التي تنهض على أساس التكاليف التعبدية، من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك، لتخلق الرادع والرقيب الداخلي في نفس مكلف، وتهيأ المناخ الملائم لنجاح التطبيق الشرعي الصحيح لهذه المعارف، فيعلم المكلف أن التفلت من المؤيدات الجزائية المادية لا ينفعه ولا يعفيه من المسؤولية الحقيقية أمام دينه.

والاقتصاد الإسلامي أعم من التمويل الإسلامي، والتمويل الإسلامي أعم من التمويل الربحي، لكن ما جرى تطبيقه من هذا العلم لا يتجاوز عتبة التمويل الربحي، ومن طبيعة التطبيق الجزئي، على فرض نجاحه، أنه لا يستقيم معه الحكم بنجاح التجربة ككل. وتفسير هذا أن مؤسسات التمويل الإسلامي القائمة مؤسسات أنشئت لغرض الربح، وهذه هي طبيعتها، ومن غير العدل أن تطالب بما ينافي طبيعتها وغرض قيامها، أو أن تحمّل تبعة عدم قيام المؤسسات المالية الرديفة التي يكفل التطبيق الشامل للاقتصاد الإسلامي قيامها. فتتحقق تحت مظلة الاقتصاد الإسلامي الرعاية المالية باختلاف مناحيها، ومنها ما يكون بإيجاد مؤسسات القرض الحسن، فتقرض الدولة رعاياها من بيت المال قرضاً حسناً باعتبار حاجاتهم الانتاجية أو الاستهلاكية المستعجلة، أي فتتخصص هذه المؤسسسات بتقديم القرض الحسن وفق معايير موضوعة، ولا تكلف مؤسسات التمويل الربحية بهذا أو تلام على عدم تقديمها القروض أو المساعدات لمحتاجيها. وعليه، فإن وجود مؤسسات تمويل ربحي غير كاف لنجاح تطبيق التمويل الإسلامي أو الاقتصاد الإسلامي بشكل أعم، بل ينبغي أن توجد المؤسسات الرديفة والمكملة ليحكم على التجربة بالنجاح وتحقيق الثمرة النهائية المرجوة منها.

ومن طبيعة المعارف الإسلامية كذلك أنها معارف أصيلة ومستقلة الكيان والهوية، منفتحة على المعارف الكونية المفيدة الأخرى، فتستمد منها وتمدها، لكنها لأصالتها لا تقبل التلبيس المعرفي في المعارف المتضادة معها، على النحو الذي جرى في المطبق من منظومة الاقتصاد الإسلامي، أي التمويل، حيث تلبّس هذا الفرع المعرفي بنقائضه من أصول التمويل الوضعي الرأسمالي القائم على الربا والغرر، لما تسربت إلى التمويل الإسلامي منتجات لا تختلف من حيث الجوهر والأثر الاقتصادي عن المنتجات التقليدية، مما أدى إلى ولادة مسخ غريب عن جسم الشريعة وروحها، ويحمل في طياته أضرار ما تلبس به.

  1. 2.    عدم النضوج المعرفي للعلم قبل الشروع بالتطبيق

مما أسهم في وجود الأزمة في التطبيق هو عدم النضوج المعرفي للعلم، ومحاولة التطبيق قبل استكمال الإطار النظري للفرع المعرفي، بدليل تضاد التفسيرات وتناقضها في هذا الفنّ على نحو لا تقبله حتى الطبيعة المرنة للعلوم المعرفية. وتفسير هذا أن علماء المسلمين قعدوا عن الاجتهاد فترة طويلة امتدت لقرون، تطورت فيها الأحداث والمسائل كثيراً، ولا سيما التعاملات المالية، فاتسعت الفجوة بين المدون فقهياً والمسائل المستحدثة. ثم كان النظر الفقهي في المسائل المستحدثة عند قيام ما يستدعي ذلك نظراً سريعاً، لم يستكمل مقوماته، فأنتج هذا النظر الفقهي السريع وغير المنضبط فتاوى مستعجلة، ومتناقضة أحياناً، عدت مضموناتها لاحقاً من بنية هذا الفرع المعرفي، مع أنها مجرد فتاوى لا أصول علمية يصلح أن يقوم على أساسها علم ما. والمطلوب من علماء المسلمين ورجالات الفكر الإسلامي وإن لم يُعطوا بعد فرصة تطبيق فروع دينهم المعرفية أن يعدوا لهذه المرحلة، فيعملوا على تقنين الفقه الإسلامي مثلاً بكل فروعه الدستورية والسياسية والجنائية والاقتصادية والمالية على غرار ما جرى في قوانين الأحوال الشخصية، ليكونوا جاهزين لتلك المرحلة، فلا يؤدي الفراغ وعدم الجاهزية عند تهيؤ فرصة التطبيق إلى إحداث فوضى واضطراب ناتج عن العمل الفردي السريع الذي قد تلوثه المصالح الفردية للمعنيين بهذا العمل على النحو الذي رأينا مع سنوح فرصة تطبيق التمويل الإسلامي بمؤسساته وآلياته.

وسبيل الإعداد لذلك هو العمل المؤسساتي المنضبط والرصين وليس العمل الفردي، فتقوم المؤسسات العلمية الدولية القائمة أو أخرى جديدة بالإفادة من الثروة الفقهية العظيمة التي خلفها العلماء الأوائل، ليختاروا من أقوالهم المعتبرة ما يناسب عصرنا أو تُستنبط أحكام جديدة على هدي الشريعة وأصولها ومقاصدها.  

 

  1. 3.    الواقع غير المثمر للقاءات والمنتديات العلمية

واقع أكثر اللقاءات والمجامع العلمية والمؤتمرات أنها لم تسهم من حيث الجملة في حل الأزمة المعرفية للاقتصاد الإسلامي، ولم تؤد دورها المفترض منها.

فالمؤتمرات التي تعقد في هذا الموضوع لا يكون الغرض منها غالباً حل مشكلة قائمة، بل لغرض الدعاية والإعلان للمؤسسة المنظمة والراعية له أو لبعض منتجاتها، أو لتفخيم سجل المؤسسة بتكثير إنجازاتها، أو ربما لتصريف فائض في ميزانية تلك المؤسسة؛ فتغيب من حيث النتيجة الجدية عن أكثر الأوراق العلمية المقدمة، ولا تُراجع هذه الأوراق لغرض تقريرها المراجعةَ الصحيحة اللازمة. وقد يراد توجيه الحدث العلمي توجيهاً يهدف غرضاً مصلحياً معيناً للجهة المنظمة، لا معرفياً أو علمياً، فتستبعد الأوراق التي لا تصب في هذا الغرض وإن كانت رصينة ونافعة، وتقبل الأوراق التي تلتقي مع هذا الغرض وإن كانت ضعيفة أو جوفاء.

ثم هي من حيث التنظيم تفتقر  كذلك إلى مقومات النجاح والإنتاجية، فالعلاقات الشخصية كثيراً ما تلعب دوراً في انتقاء المتحدثين، ثم يغلب على المؤتمرات والمنتديات أن تتكرر فيها ذات الأسماء، إذ يسعى المنظمون خلف الأسماء ذائعة الصيت، وهؤلاء لكثرة أشغالهم لا يكون لديهم الوقت والفراغ لتقديم ورقات جدية وجديدة، بل يكررون أنفسهم حيث حلّوا وارتحلوا، وتذهب أكثر ميزانية المؤتمر في استضافتهم، وذلك على حساب المجدين من الشباب، والمتحمسين للإسهام بالمفيد والجديد.

وكثيراً ما تكون نتائج المؤتمر قد تم صياغتها من قبل عقد المؤتمر أو في أثنائه، وقد تصاغ نتائج عبثية للمؤتمر، أو لا تكون نتائج أصلاً، لأن الهدف من المؤتمر قد يكون مجرد عقد المؤتمر لا نتائجه؛ أو قد يجري التسويف فيكتشف المؤتمرون أن الأمر بحاجة إلى مؤتمرات أخرى لمناقشة نفس القضية، ثم لا يكون مؤتمر وتدفن القضية في أرضها.

وقد يكون ثمة نتائج إيجابية للمؤتمر، لكنها تبقى على الورق ولا يصار إلى تطبيق شيء منها، فيكون المؤدى واحداً في الحالتين، وتذهب الملايين التي بُذلت في عقد المؤتمر سدى. ومن الطريف أن يكون محور المؤتمر يرتبط بإصلاح الأوضاع الاقتصادية لبعض فئات المجتمع ثم يتبين للمراقب أنه لو صرفت كلفة ذلك المؤتمر على تلك الفئات لكان أنجع وأفضل.

وهكذا فإن هذه الممارسات بمجموعها لا تخدم المعارف عموماً، ولا تخدم الاقتصاد الإسلامي بشكل خاص، لأن أكثر المؤتمرات الآن تعقد في موضوعات التمويل الإسلامي، وتتجلى هذه الممارسات فيها أكثر مما تتجلى في أي مؤتمرات في مواضيع أخرى، مما يؤدي إلى تعميق الآزمة وتكريس الفوضى وربما الترويج لما هو فاسد؛ ولا سيما أنه يمكن تصنيف المؤتمرات في موضوعات التمويل الإسلامي في نوعين:

-       مؤتمرات تعقدها شركات خاصة بتنظيم المؤتمرات وذلك لأغراض  تجارية، حيث يتم الاتفاق مع بعض الرعاة لتقديم الدعم المادي للمؤتمر مقابل الدعاية لهؤلاء الرعاة في خلال المؤتمر، وتتم أيضاً دعوة الفاعلين في صناعة التمويل الإسلامي وأصحاب القرار للحديث في هذه المؤتمرات، وقد تملي الجهات الراعية على الشركة المنظمة أسماء بعينها للحديث في هذا المؤتمر؛ ثم تجري الدعاية لهذه المؤتمرات والترويج لها لدى المؤسسات المهتمة بغرض مشاركتها بإرسال موظفيها بعد دفع رسم حضور مقرر. وهذه النوعية من المؤتمرات التي شاعت كثيراً في الفترة الأخيرة قد تركت آثار معرفية سلبية بالغة، لأن من شأنها أن تخضع لإملاءات الرعاة وتفرض على الفكر المعرفي اتجاهاً بعينه يمليه واقع السوق المحكوم بالربحية والمصالح المادية، كما أنها تصنع نجوم مؤتمرات لا باعتبار الكفاءة والوزن العلمي أو الإسهام الفكري، بل باعتبار الوزن السوقي لهؤلاء، وهو المحكوم بالتقاء فكرهم مع مصالح السوق.

-       ثم مؤتمرات تعقدها المؤسسات العلمية والبحثية، ومن شأن هذه المؤتمرات أن تحقق الإسهام المعرفي المنشود إذا ما أحسن تنظيمها واستغلالها، وكانت بعيدة عن النزعة التجارية والممارسات السالف ذكرها، لكن مشكلة هذه المؤتمرات أنها لم تسلم عن تلك الممارسات، وتأثرت بما روجته وأفرزته المؤتمرات الأولى من مقاربات وشخصيات.

 

  1. 4.    غياب الجهات الإشرافية على الجوانب التطبيقية

مما يؤخذ على العقل العربي الذي شكلته ظروف العرب الحالية الفردية وعدمُ الانتظام الجماعي التلقائي، مما يحوج إلى تدخل سلطات عليا تفرض التنظيم الضروري وترعاه. وهذا من أسباب تخلف العرب في هذا العصر، فأمر بالغ الأهمية كالعمل المصرفي الإسلامي ترك دون تنظيم داخلي، ولا سيما في الجانب الشرعي الرقابي، مع أن نتائج عدم تنظيمه بالغة الخطورة ولا تخفى على عاقل. ولو وقع هذه الأمر في بلاد الغرب أو أقاصي الشرق المتحضر، لشرعوا بتنظيمه منذ اليوم الأول دونما حاجة لتدخل الحكومات، ولم يعرّضوا هذا الأمر لمآله المحتوم مع ترك التنظيم، من السقوط والإنهيار نتيجة تسرب الفساد إليه وتغلغله بسبب الطبيعة البشرية الفردية.

إذ من الطبيعة البشرية للأفراد أن يجنحوا في تعاملاتهم إلى ما يحقق مصالحهم ولو على حساب بعضهم بعضهاً أو على حساب مجتمعاتهم، أو القيم والمعتقدات، أو النفع العام. وقد لا تكفي المؤيدات الدينية لدرء خطر هذه الطبيعة فيهم، مما يحتم على الحكومات بسلطتها التنفيذية أن تتدخل وتفرض مؤيدات أو وسائل دنيوية تضبط سلوكهم. وهذا التدخل يمكن أن يتخذ أشكالاً عدة، فتقوم جهات حكومية بأمر التنظيم مثلاً، أو يقتصر تدخلها على الإشراف على التطبيق وضبطه بضوابط تكفل سلامة آثاره.

وعدم تولى الجهات الحكومية لتنظيم الجانب التمويلي من الاقتصاد الإسلامي أو إشرافها عليه، وتركه للأفراد أو المؤسسات، أدّى إلى النتيجة الطبيعية من تطويع هذا الفرع المعرفي لمصالحها الخاصة، وإلى تشويهه وخلق الأزمات فيه. وفي بعض الحالات التي رعت فيها الحكومات تطبيق التمويل الإسلامي، طغى على هذه التجربة الواقع السياسي لهذا البلد، فسُخِّرت تجربة التمويل الإسلامي لأغراض سياسية مرتبطة بالمشاكل الداخلية لهذا البلد، مما أدى إلى عدم تميز هذه التجربة بالإيجابية، بل كانت في مضمونها، لا في إطارها التنظيمي، أكثر سلبيةً من غيرها.

 

  1. 5.    تسلل التسويغ بالسياسة الشرعية إلى الجانب المعرفي التطبيقي للتمويل الإسلامي

صار يتردد في أروقة المجالس الفقهية للصيرفة الإسلامية مصطلح “السياسة الشرعية” في إطار تسويغ بعض تطبيقات المعاملات المالية، على اعتبار أنها لا تجوز باعتبار الأدلة الظاهرة، أو الأقوال الفقهية المعروفة، أو مواقف المجامع الفقهية، ليمكن تجوزيها بقتضى السياسة الشرعية.

وعلى فرض سلامة ذلك شرعاً فإنه إذا كانت بعض ممارسات التمويل الإسلامي من قبيل السياسة الشرعية فإن السياسة الشرعية في أصلها تتنافى مع التأصيل المعرفي، لأن الحكم بمقتضى السياسة الشرعية يرتبط بالاستثناءات. وعليه فإن التأصيل المعرفي السليم يتنافى أصلاً مع الأحكام الاستثنائية التي قد تُفرض بمقتضى السياسة الشرعية في بعض الظروف، لأن المعرفة تقوم على الأصول العامة والراسخة مما يتنافي مع شرعة الاستثناءات، والحكمُ في أمر بمقتضى السياسة الشرعية وإن كان صحيحاً ومن أهله طارئٌ واستثناء.

ومن حيث الاعتبار الفقهي، فإن تسويغ الأفراد أو المجالس الفقهية لبعض التطبيقات بمقتضى السياسة الشرعية تطورٌ خطير وفاسد من أوجه عدة:

-       أن التصرف بمقتضى السياسة الشرعية هو للحاكم المسلم، أو الحكومة المسلمة، تقرره وفق المصلحة العامة وبمقتضى الشورى، لأنها ترتبط بإدارة الشؤون العامة الداخلية والخارجية للدولة. وتقصير الحكومة المسلمة في في هذا الجانب في بعض المجالات لا يخوّل الأفراد أن يبؤوا أنفسهم دور الحكام.

-       أن السياسة الشرعية لا تخول من يتصرف بمقتضاها تسويغَ المحرم وتسميته حلالاً، كأن يوسم منتج مالي غير شرعي بالشرعية بمقتضى السياسة الشرعية ويسمح للمؤسسات المالية الإسلامية بتقديمه؛ بل تخول السياسة الشرعية لأهلها التصرّفَ في الأمور العامة بمقتضى المصلحة، بما لا يتناقص مع أصول الشريعة ونصوصها الثابتة، وتعليقَ بعض الأحكام الشرعية بمقتضى الضرورة التي تبيح بشروطها المحظور أو تسلب الوجوب عن الواجب، أو التصرفَ بمقتضى التعزير الذي قد يصل إلى القتل في قضايا الجنايات وجرائم أمن الدولة، أو تقييدَ المباحات. 

-       أن جهات الفتوى المصرفية ليست طرفاً مستقلاً تُضمن نزاهتُه في تقريره للمسائل بمقتضى السياسة الشرعية على فرض صحة تبوّئها لعمل السياسة الشرعية أصلاً، وذلك لأنها طرف مستفيد مما تقرره، فرواج هذه الفتاوى الميِّسرة من أهلها يغري المؤسسات المالية المستفيدة بأصحابها، مما يعود بالنفع المادي على أصحاب هذه الفتاوى، فضلاً عن وجود مؤسسات فتوى خاصة من شأن تقاضيها أجراً عن مراجعة المنتج المالي أو تسويغه ألا يجعلها مستقلة على نحو يدفع تدافع المصالح.

-       تعدد جهات الفتوى بتعدد المؤسسات المالية يؤدي إلى تعارض المفتى به بمقتضى السياسة الشرعية حتى في نطاق البلد الواحد، مما يؤدي إلى وقوع الاضطراب والفوضى على نحو يلغي أي نفع قد تعود به الفتوى بقتضى السياسة الشرعية؛ فيصير الأمر أشبه بالفوضى التي يحدثها تعدد الحكام ورؤاهم في البلد الواحد.

 

  1. 6.    محدودية النقد

النقد أمر ضروري لكل جهد معرفي بشري، وهو الذي يطور المعارف ويصقلها ويخلصها من شوائبها. وتعظم أهميته للمعارف الناشئة، لأنها تكون كثيرة الأخطاء عادة، مما يستدعي كثرة التنبيه على محالّها.

ووجود النقد والناقدين هو من جملة الروادع التي تردع أرباب المعارف والمقائمين على تطبيقاتها من الغلو فيها أو الانحراف بها. ولو لم يوجد نقد وناقدون لوجب إيجادهم واصطناعهم صيانةً للفرع المعرفي والمصالح العامة المرتبطة به.

والنقد إما هدّام وإما بناء، والهدّام ما يفشل التجربة ويمنع من قيامها، ما دامت قائمة على أسس مقبولة في الأصل؛ وليس من النقد الهّدام ما يتوجه إلى معالجة القائم فعلاً من التجربة، أو ينبه إلى خطأ فيها أثناء قيامها، بل هذا من النقد البناء. ولا يصح عدّ النقد بناءً أو هداماً باعتبار غرض الناقد ونيته، بل باعتبار محلّه كما تقدم؛ أي فتنتفح المعارف الشرعية  على كل نقد بناء ولو صدر عن مغرضين أو حتى عن غير المسلمين.

ومن السلبيات المعرفية المتصلة بالاقتصاد الإسلامي أنه لم يتلق النقد الكافي في بداياته، بل تأخر هذا النقد إلى زمن قريب بعد أن تجذرت معاملات مشبوهة في العمل المصرفي الإسلامي، حتى اكتسبت شيئاً من الشرعية العرفية بمرور الوقت وطول الصمت. ويقع اللوم أكثر ما يقع على المجامع الفقهية التي غلب عليها الصمت بينما التمويل الإسلامي في طور التكوين في المؤسسات المالية الإسلامية، فترك الأمر للهيئات الشرعية تشكل صيغ هذا التمويل. ولم يصدر عن المجامع الفقهية إلا قرارات فقهية بسيطة على مدى سنوات، وكثر في قرارات هذه المجامع التسويف والتأجيل إلى دورات أخرى في أمور بالغة الأهمية هي قيد التطبيق والممارسة في المؤسسات المالية. بل وكان في بعض الأحايين أن خرجت المجامع الفقهية بقرارات خجولة مترددة أشبه برفع العتب إذا صح التعبير وتفتح الباب لاستثناءات محذورة.[3]

ويعزى تقصير الجامع الفقهية إلى جملة أسباب أهمها:

- وجود لوبي قوي في المجامع الفقهية من الفقهاء العاملين في المؤسسات المالية الذين لا يسرّهم أن تنقض المجامع الفقهية فتاويهم، فيحولون ما أمكن دون صدور قرارات من المجامع الفقهية بذلك.

- ضعف معرفة أكثر أعضاء المجامع الفقهية، وفقهاء الشريعة عموماً، بفنيات المعاملات المالية المصرفية، مما يجعلهم عاجزين عن الدخول في نقاشات علمية نقدية مع الفريق الأول، وهو ما استغله الفريق الأول لصالحه أحسن استغلال، فبقي كثير من المعاملات المالية المشبوهة دون نقد أو اعتراض أو تصويب. ولحقيقة هذا الأمر تعلل ظاهرة احتكار الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية واقتصار العمل المصرفي الإسلامي على مجموعة قليلة من الشيوخ، إذ ليس في مصلحة هؤلاء أن يخبر العملَ المصرفي فقهاء حقيقيون قد يشكلون عامل نقد قولي لفتاويهم في أروقة المؤسسات الفقهية.

- ضعف المجامع الفقهية بشكل عام وطروق الوهن إليها بدءاً من طريقة وصول أعضائها إليها، ومؤهلاتهم، وقدراتهم العلمية والبدنية على الحضور والتنسيق والمتابعة، واهتمامهم وجديتهم، إلى طريقة تنظيم هذه المجامع وسير عملها، وصياغة قراراتها، ثم وزن هذه القرارات، واحترام المؤسسات المالية لها.[4]

رفض النقد: ومن المشكلات المرتطبة بالنقد أيضاً عدم الاستعداد لتقبله، ورفضه على قلته من قبل المعنيين بالتطبيق العملي لهذا الفرع المعرفي، أي التمويل الإسلامي، وعدّه هجوماً على أشخاصهم. وهذه مشكلة نفسية تنبغي معالجتها، وهي سمة ظاهرة وللأسف على العقل العربي المعاصر، كفيلة بأن تدفن في التراب كل نافع ومفيد، وهي من آثار النشوء في بيئات دكتاتورية ألقت بظلالها على طريقة تفكير الأفراد. وجوهر هذا الأمر هو ما يتميز به العقل الغربي عن العربي، فهناك يُفرق بين نقد الفكر ونقد الشخص، ولا تحمل الأمور على المحمل الشخصي، بل تذوب الخلافات الشخصية في سبيل خدمة الفكرة وتنقيحها وتطويرها لمنفعة الجميع؛ أما هنا فتحتد النفوس ويُشكك في النيات ويُحمل كل النقد على العداوة أو الغيرة والحسد، فيصِرّ المخالف على مخالفته والمخطأ على خطئه، حتى قد تصير مجالس الحوار المعرفي مجالس شتم واتهامات.

 

  1. 7.    عقلية الإفراط أو التفريط في الفكر الديني

جرى زمناً في الفكر الديني تقديمُ العقل على النقل، وكان ذلك أثراً لشيوع الفلسفة للحاجة إلى مناظرة الملاحدة والوجوديين، فهؤلاء لا يؤمنون بالنصوص الشرعية، فلا ينفع معهم إلا الجدل العقلي. لكن كان من أثر ذلك أن أعطي العقل سلطاناً فوق سلطان النصوص، فعمل روّاد هذه المدرسة (المعتزلة) على تأويل أو ردّ ما بدا عدم انسجامه مع العقل من النصوص الشرعية.

ثم وجد في مذاهب التشريع الإسلامي بعد هذا الإيغال والإفراط في دور العقل في تعليل النصوص وتأويلها لتتوافق مع العقل إيغالٌ وتفريط كذلك في سلطة النقل على العقل، فترِكت النصوص على حالها وأخذت على ظاهرها، فكان التفريط في دور العقل والاجتهادِ في تأويل النصوص وإدراك مقاصد النهي والتشريع.

وفي زمننا المعاصر وجد الأمران أيضاً ولكن باعتبار آخر، إذ نشأ كردِ فعل على الفكر الصوفي الذي أوغل في الإبحار بما وراء معاني النصوص، دعوةٌ للوقوف على ظواهر النصوص بغية درء خطر تمييع النصوص الذي وجد في الفكر الصوفي بعامة. وقد وجدت هذه الدعوة بقصد الوقوف بوجه الفكر الصوفي المغالي[5]، لكن ترتب عليها غلو كذلك توسّع ليشمل نصوص التشريع، فأخذت هذه النصوص على ظواهرها على نحو عطّل حكمة التشريع ومقاصده. وهذا ما نراه في كثير من الرؤى الفقهية في مسائل التمويل الإسلامي، فبعضها يقوم على الحكم بحل المعاملة باعتبار استيفاء شروط الصحة الشكلية التي وردت بها النصوص دون اعتبار جوهو المعاملة ومآلاتها.

فالرؤى الفقهية التي تُحل بيوع الذرائع الربوية كالعينة أو التورق كما يجريان الآن في بعض المؤسسات المالية الإسلامية، على الرغم من افتراقهما عن الربا باللفظ والشكل فحسب، تنبثق عن عقلية تؤخذ بالظاهر وتعطل روح النص ومقاصده، وهي عقلية يُخشى منها حقيقةً على التشريع الإسلامي. ومثلها تلك العقليةُ التي تفرق بين البيوع الربوية، فترى حِلَّ واحد وحرمةَ أخر على الرغم من اتحاد الجميع في الجوهر والأثر، أو تصَوغُ بيعاً جديداً يوصل إلى نفس النتيجة من معاوضة المال بالمال بوساطة سلعة غير مقصودة لذاتها حقيقة في البيع والشراء، ثم تزعمُ حِلّه وتشنُّ حرباً على البيوع الربوية الأخرى[6]!

إن المنهج المقبول في التشريع الإسلامي هو المنهج الوسط الذي يوائم بين النقل والعقل على نحو ما يفعل القياس الشرعي، فيُجلّي دور العقل في تعليل النصوص التي تقبل التعليل، ويُلِحق الأمور بنظائرها باعتبار الاشتراك في العلة وفق عملية تنقيح المناط وتحقيقه.

  1. 8.    الخلل في طبيعة ارتباط الهيئات التي تمثل الجانب التشريعي بالمؤسسات المالية

تمارس الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية دوراً تشريعياً داخلياً يمثل في مجموع أدبياته أساساً معرفياً للاقتصاد الإسلامي ومؤسساته، لكن هذا النتاج المعرفي تشكل في مناخ مشبوه يستدعي حكماً عقلياً وشرعياً بالتشكك في سلامة هذا النتاج. فقد قامت العلاقة بين الهيئات الشرعية صاحبة هذا النتاج وبين الفئة التي تملك المؤسسات على أساس غريب عن فكر الشريعة، وهو الارتباط المصلحي المادي المباشر بين هاتين الفئتين، فتدفع الفئة الثانية أجراً للفئة الأولى عن إصدار الأحكام التي تلتزم بها تلك المؤسسات. وهذا العمل لا يسوغ عقلاً أو شرعاً لأنه ينطوي على مفاسد ظاهرة، إذ لا يتحقق استقلال تلك الهيئات بهذا العمل، بل تتأثر تلك الأحكام برغبة أصحاب تلك المؤسسات بالنظر إلى تدافع المصالح. ومن الوجه الشرعي، فإنه لا يجوز في فكر الشريعة أن يأخذ المتكلم بحكم الشرع أجراً من الذي يقع عليه هذا الحكم ويُلزم به، كما هو الحال في أجر القاضي، فإنه لا يجوز أن يكون من الخصوم، بل من بيت المال، بل ويحرم على القاضي أن يأخذ هدية من الخصوم لأن ذلك يفتح باب مفسدة عظمى ولو كان القاضي من أشهر الناس ورعاً ونزاهة. والحال ينبغي أن تكون كذلك في المؤسسات المالية، فإن قرارات الهيئة الشرعية تلزِم تلك المؤسسات ولو على حساب أرباحها ومكاسبها، ومع هذا نرى أن تلك المؤسسات هي التي تدفع رواتب تلك الهيئة، بل وهي التي تختارها قبل ذلك وتعينها، فمن الطبيعي أن تختار هيئات تلتقي آراؤها مع مصالحها. ويقتصر الفارق بين  القاضي وبين الهيئة الشرعية على أن القاضي يتكلم بالحكم الشرعي في حقوق العباد، أما الهيئة الشرعية فتتكلم في الحكم الشرعي في حقوق الله تعالى من حرمة الربا والغرر وغير ذلك، وقد يشمل ذلك حقوق العباد، وذلك عندما تنظر هذه الهيئة في تظلمات المتعاملين مع المؤسسة وشكاويهم؛ فيكون عمل المؤسسات المالية كمن يختار القاضي عليه ويدفع له أجراً من ماله، فينبغي ألا يجوز هذا في شرعة الإسلام. وهذا الفرق المحدود لا يسوِّغ جواز أخذ الأجر من الطرف الملتزم بالحكم في هذه الحالة، بل ينبغي أن يكون اختيار وتعيين وعزل الهيئة الشرعية من قبل طرف مستقل عن تلك المؤسسات، كالمصرف المركزي مثلاً أو بإشرافه، وأن يكون أجرها أو أي مبلغ تناله بأي صفة من طريق واحد غير مباشر، كالمصرف المركزي يقتطعه مثلاً حسماً من احتياطيات تلك المؤسسات لديه.

 

  1. 9.    غلبة الجهل بالدين على العامة وضعف وعيهم الديني

من المشكلات التي يواجهها التطبيق الصحيح للاقتصاد الإسلامي ضعف الثقافة الدينية لدى عامة المسلمين ويعزى ذلك إلى طبيعة المناهج الدراسية المعاصرة، فهي لا تعطي دارسيها تثقيفاً دينياً كافياً. وقد أدى الجهل الديني للجيل المعاصر وبعده عن فهم أساسيات أحكامه وأصوله، بل وشعوره بالتقصير تجاه دينه إلى أن ضرب في أذهان هذا الجيل طوقاً من القداسة الدينية حول علماء الدين، وهذا في جانب منه من قبيل التعويض النفسي، فالنفس بفطرتها تميل إلى حب الدين وتبجيل من ينتسب إليه، ويزداد هذا الشعور عند المقصرين والواقعين في الذنوب مع سلامة فطرتهم وهو حال جلّ الناس. وهذا أيضاً في جانب آخر منه من تأثير الفلسفات الدينية الأخرى، التي تقوم على وجود ما يسمى برجال الدين، وإضفاء هالة من القداسة على أقوالهم وأعمالهم، وهو ما حاربه الإسلام وأنكره أشد الإنكار إذ لا عصمة إلا للأنبياء.

  وما كان لهذا الأمر من أثر سلبي على مسيرة الاقتصاد الإسلامي لو أن تجربته لم تكن مفتوحة على الانحراف بسبب طبيعة العلاقة التي تأسست بين المشرفين شرعياً على عمل مؤسساته القائمة، أي مؤسسات التمويل الإسلامي، وبين أصحاب تلك المؤسسات كما تقدم بيانه. لكن بسبب شيوع الجهل في صفوف عامة الناس بالدين، وبسبب تلك الهالة،لم يكونوا قادرين على إدارك محل الخلل في منظومة العمل المصرفي الإسلامي وممارسة النقد اللازم لإصلاح ذلك، مع شديد الحاجة إلى موقف حاسم من العامة في ظل غياب السلطات الرقابية العليا وتقصير علماءُ الشريعة بشكل عام لأمور تقدم ذكرها. ولا يُنكر أن أهم نقد مؤثر وفعّال تكترث به البنوك هو نقد العامة، لأنهم العملاء والمستهدفون بالمنتجات التي تقدمها.

 

  1. 10.  معاملة الأقوال الشاذة معاملة الأقوال المعتبرة

من آفات المعارف الشرعية في أيامنا أن صار بسبب التراجع في إتقان والتمكّن من العلوم الشرعية لا يُحسَنُ التمييز بين القول المعتبر الذي يحتمل وجهاً شرعياً وبين القول الشاذ الذي ليس له محمل شرعي صحيح. وصار وجود الرأي المخالف الشاذ إذا كثر أنصاره يصّير المسألة في الأذهان من قبيل المختلف فيه، وكأنه كالخلاف الذي يجري بين المذاهب الفقهية المعتبرة! وكثرةُ أنصار القول المخالف لا يستقيم أن يفهم منها بالضرورة صلاحية هذا القول وصحة اعتباره شرعاً، لأن الفئة التي قد تجتمع على هذا القول هي فئة قد ترتبط مصالحها جميعاً ارتباطاً مباشراً بهذا القول، فيكثر أنصاره دون أن يكون للقول مصداقيته أو وزنه الشرعي المعتبر. ومثال ذلك في الإطار المعرفي المرتبط بالتمويل الإسلامي القولُ المعاصر بجواز بيوع الدين وبجواز بيوع العينة بصورها المختلفة، فهذه البيوع تمجها الفطرة الإنسانية والعقل السليم والأصول الشرعية، ولم يقل بحلها أحد من أئمة الفقه وإن كان لبعضهم قول بصحة العقد ظاهراً، لكن الحكم بصحة العقد لا يستلزم الحكم بحله كما هو معروف فقهاً.[7]

 

الخاتمة  والتوصيات

ما تقدم هو أهم الأسباب التي أدت في نظر الباحث إلى حدوث أزمة معرفية وتطبيقية في الاقتصاد الإسلامي، ولا شك أن ثمة أسباب أخرى غيرها، لكن هذا هو تشخيص الباحث لمحال الخلل. وأظن أن تحليل الباحثين الآخرين سيشير إلى ما غفل عنه هذا البحث، ويشكل في مجموعه أساساً يصلح منطلقاً للإصلاح المعرفي والتطبيقي الذي صار ضرورة ملحة مع التردي الذي آل عليه واقع الاقتصاد الاسلامي ومؤسساته. وبحسب الأسباب المنصوص عليها في هذا البحث، وبحسب ما يمكن العمل عليه واقعياً من بين هذه الأسباب، فإن البحث يسجل التوصيات الآتية:

-       الأزمة المعرفية ضاربة في الجذور في مجتمعاتنا، وهي لا تقتصر على علم أو فرع معرفي بعينه، بل تشمل أكثر المعارف الشرعية وسيتجلى ذلك إن سنح لهذه المعارف ما سنح للاقتصاد الإسلامي من فرصة التطبيق. ولذا ينبغي العمل والاستعداد النظري لهذه المرحلة بتقنين الأحكام الشرعية عبر العمل الجماعي المنضبط، حتى لا تتهم الشريعة بالقصور ولا نقع في أزمة تطبيق على نحو ما شهدنا في هذا الفن.

-       ضرورة العمل المؤسساتي في تقنين تشريعات الاقتصاد والتمويل الإسلامي، وأن يكون ذلك بتضافر جهود الشرعيين والاقتصاديين والحقوقيين، لا أن يوكل الأمر إلى الشرعيين بحسب، لأن فئة واحدة من هؤلاء لا تملك التصور اللازم والكافي لتقرير الأحكام متعددة الأبعاد والآثار. وهذا دور يمكن أن تضطلع به مراكز بحثية علمية متخصصة، أو مؤسسة دولية فقهية كالمجمع الفقهي الدولي بعد إصلاحه وضم الخبرات اللازمة الأخرى إليه، أو أن يجري ذلك بالتعاون بين تلك المراكز العلمية المتخصصة والمجامع الفقهية.

-       ينبغي إصلاح حال المجامع الفقهية بإعادة هيكلتها وتنظيمها وآلية عملها، ثم عرض التطبيقات المالية الإسلامية القائمة عليها للخروج بالأحكام الشرعية الصحيحة لها على نحو فعال وسريع إلى حين تحقق التقنين المنشود.

-       من البديهات العقلية والمسلمات الشرعية ألا يستقيم ارتباط الهيئات الشرعية بالمؤسسات المالية ارتباطاً مادياً مباشراً، تحقيقاً للاستقلال الحقيقي في عمل هذه الهيئات وضماناً للنزاهة ودرءاً لتدافع المصالح. وقطع هذه العلاقة هي أول ما ينبغي عمله لتحقيق الإصلاح المنشود، وأي عمل إصلاحي دون ذلك لن يكون ذا أثر مع الإمعان في هذه الممارسة. وسبيل تحقيق ذلك بإحالة اختيار وتعيين وعزل الهيئة الشرعية إلى طرف مستقل عن تلك المؤسسات، كالمصرف المركزي مثلاً أو أن يجري ذلك بإشرافه، وأن يتم دفع أجر الهيئة أو أي مبلغ تناله بأي صفة من طريق واحد غير مباشر، كالمصرف المركزي يقتطعه مثلاً حسماً من احتياطيات تلك المؤسسات لديه.

-       مطالبة الحكومات ممثلةً بمؤسساتها المعنية، كالبنوك المركزية، بالتدخل في فرض قوانين حوكمة شرعية داخلية للمؤسسات المالية الإسلامية إن لم يمكن الحصول على اتفاق من هذه المؤسسات بخضوعها لقوانين حوكمة تضعها وتشرف عليها مؤسسة مستقلة تنشأ لهذا الغرض، وتكون ذات سلطة في منح تراخيص عمل شرعية أو سحبها عند المخالفة.

وفي ظل غياب اتخاذ خطوات على الطريق الإصلاحي الفكري المعرفي ثم التطبيقي، فإنه لن يسعنا إلا أن ننتظر حدوث أحد شيئين:

الأول: أن تقرر حكومات الدول الإسلامية التدخل بعد أن تدرك الفساد والخلل القادم وأبعاده، وتعمل بما لديها من أدوات ومؤيدات وسلطة تنفيذية على رفعه وإزاحته. لكن الأثر العملي لذلك لن يكون كبيراً لأن جزءاً من الأزمة يرتد إلى  الجانب المعرفي على ما تقدم، ولا يقتصر على الجانب التطبيقي.

الثاني: أن ننتظر التطور الفكري التلقائي والتدريجي للعقل البشري الجمعي، الذي هو خيري بطبيعته، فيستفيد من تجاربه ومن ماضي وتجارب أسلافه في إدارك الخطأ وتمييز الخبيث من الطيب من تلقاء نفسه، ودون تدخل عوامل إرشاد خارجي أو مؤيدات أو سلطات على نحو ما كان في الأزمنة السابقة، ليصلح أخطاءه وأخطاء أسلافه بنفسه بعد أن يدرك سبل إصلاحها واستبدالها بالصحيح النافع. لكن هذا الأمر قد قد يستغرق جيلاً آخر جديداً بالنظر إلى حجم الفساد النفسي والفكري الهائل وتراكمه على مدى زمن طويل يعود إلى عصور التخلف والظلام التي رزح تحتها المسلمون منذ بداية عصر الانحطاط، وكذا لتسللِ عاهاتٍ فكرية ونفسية إلى مواقع القوة في مناحي تطبيق بعض الفروع المعرفية في عصرنا الراهن. لكن علائم التغيير لاحت، والمتوقع ألا يستغرق الأمر أكثر من جيل واحد، وأن يكون هو جيل ناشئة عصرنا هذا.

فجيل الناشئة الجديد منفتح على كل الثقافات والتيارات والفلسفات والمؤثرات، وسيُخضِع تركة الجيل السابق المثقلة بالفوضى الفكرية والنسَقية لسلطان العقل الذي أثرته تجربة الأوائل لتمييز الغث من السمين، والصحيحِ من السقيم، فما لم يكن موافقاً للعقل والمنطق مجّه وتركه، وما كان موافقاً لهما تقبله وأخذ به[8]. والذي سيقود هذا الجيل جيلٌ جديد من العلماء والمفكرين، جيل درُب على الاحتكام إلى العقل في إطار الشرع، واطلع على تجربة الأوائل وأدرك محالّ الخلل فيها، وضرورةَ الانتظام والعمل المؤسساتي الجماعي؛ جيلٌ لم يملك لانتزاع ثقة الناس واحترامهم إلا أن يتواضع لهم ويتضلعَ بثقافة العصر وينفتحَ على النقد. هذا هو الجيل الذي يحتاجه الإسلام لتحريره معارفه من الشوائب والأزمات.

 

والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل

 

 

 



[1] لمراجعة هذه المسألة وتفصيلاتها يمكن الرجوع إلى بحث “بيع الدين وتطبيقاته المعاصرة في المصارف الإسلامية”، مجلة “الإسلام في آسيا”، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، المجلد 5، العدد 2، 2008؛ “بيع العينة وتطبيقاته المعاصرة في المصارف الإسلامية”، مجلة “التمدن”، ماليزيا، المجلد 4، 2008. وكلاهما للكاتب، ويمكن تحميلهما من موقع www.abdulazeem-abozaid.com

 

[2]  من ذلك ما يكون في الصكوك، إذ يصدر عن مدير الصكوك أو مصدرها تعهد بشراء موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية لها، وهو ما ينطوي على ضمان رأس المال الممنوع. يراجع للتفصيل بالمسألة بحث أبوزيد، عبد العظيم، “نحو صكوك إسلامية حقيقية” بحث منشور في مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، المجلد 16، العدد 62، 2010. ويمكن تحميله بالمجان من موقع www.abdulazeem-abozaid.com

[3]  من ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في موضوع أسهم الشركات، حيث ذكر أن الأصل عدم جواز التعامل بأسهم الشركات التي تتعامل بالحرام أحياناً ثم سكت عما هو وراء ذلك؛  فصيغة هذا القرار تعكس تردداً من واضعيه، وكأنه بهذه الصياغة يفهم صحة الاستثناء بالجواز في بعض الحالات. وهذا نص القرار: “الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربـا ونحـوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة”.(قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم  63 ( 1/7 ) بشأن الأسواق المالية في دورته السابعة المنعقدة بجدة من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 – 14 أيار (مايو) 1992 م)، بينما كان قرار مجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة أصرح وأوضح، حيث نص على حكم التعامل بأسهم الشركات التي تنطوي استثماراتها على بعض الأنشطة المحرمة، ونص قراره: “لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا، وكان المشتري عالمًا بذلك”.

[4]   يذكر في هذا أن قرار تحريم التورق المصرفي الذي صدر عن مجمع الفقه الدولي في دورة  المنعقدة في جدة لم تلتزم به المؤسسات المالية الإسلامية الممارسة للتورق، بل استمرت في ممارساتها.

[5]  ليست هذه الظاهرة بالمناسبة حكراً على الفكر الديني الإسلامي، بل نجدها في الأديان الأخرى، من يهودية ونصرانية مثلاً، فالنصرانية على سبيل المثال بعد أن تسللت إليها تفسيرات وممارسات بدعية، عَرفت دعوات للإصلاح تمثلت بالمذهب البروتستانتي (الاحتجاجي)، أو للعودة إلى الأصول وما كان عليه السلف، وهو ما يمثله مذهب الارثوذكس.

 

[6]  من ذلك أننا نرى من يقول بالتورق المصرفي يهاجم العينة، ومن يهاجم التورق المصرفي يخرج على الناس بالسلم المنظم، وجوهر الجميع ومآله واحد!

[7] لمراجعة هذه المسألة وتفصيلاتها يمكن الرجوع إلى بحث “بيع الدين وتطبيقاته المعاصرة في المصارف الإسلامية”، مجلة “الإسلام في آسيا”، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، المجلد 5، العدد 2، 2008؛ “بيع العينة وتطبيقاته المعاصرة في المصارف الإسلامية”، مجلة “التمدن”، ماليزيا، المجلد 4، 2008. وكلاهما للكاتب، ويمكن تحميلهما من موقع www.abdulazeem-abozaid.com

 

[8]  لعلنا نرى علائم ذلك في جيل الناشئة من خلال أبنائنا والناشئة من حولنا، حيث بدأ دور التربية العائلية يخبو أثره فيهم، وصاروا أكثر استقلالاً واحتكاماً للعقل، فلا يجدي معهم أسلوب الإملاء بل الإقناع. ويبدو هنا أن اختيار الناس للدين الحق (الإسلام) أو استعدادهم لتقبله في شتى أسقاع الأرض سيكون بعد الاحتكام إلى العقل بعد تحريره من كل المؤثرات العقدية والثقافية التي كان عليها أباؤهم وأجدادهم؛ وهذه مزية من مزايا تحرير العقل. وقد دخل معظم الجيل الجديد من الغرب نتيجة ذلك مرحلة اللادينية، فتراهم غير متدينين وغير مقتنعين بمسحيتهم بعد أن حكمت عقولهم في عصر التقدم والانفتاح بعدم عقلانيتها، ولو عرض عليهم الإسلام عرضاً صحيحاً ومقنعاً في هذه المرحلة لتقبلوه.